أبو الليث السمرقندي

634

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

مواضع ، فيكون بمعنى القبول ، كقوله عز وجل وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [ آل عمران : 81 ] أي قبلتم عهدي ، والأخذ التعذيب ، كقوله وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ وكقوله فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ يعني : عذبنا ، وكقوله وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ [ غافر : 5 ] يعني : ليعذبوه . ثمّ قال : وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ يعني : لم يعذبهم بغير جرم منهم . وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بجرمهم استوجبوا العقوبة . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 41 إلى 44 ] مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 42 ) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ ( 43 ) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 44 ) قوله عز وجل : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ يعني : مثل عبادتهم الأصنام في الضعف ، وقلة نفعهم إياهم . كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ يعني : أضعف البيوت لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لأنه لا يغني من حر ولا من برد ولا من مطر وكذلك آلهتهم لا يدفعون عنهم ضرّا ، ولا يقدرون لهم نفعا . ثم قال : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني : لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأصنام كذلك ، لأنهم قد علموا أن بيت العنكبوت أوهن البيوت ، ولكن قوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ انصرف إلى قوله : اتَّخَذُوا ، يعني : لا يعلمون أن هذا مثله . ثم قال عز وجل : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وهذه كلمة تهديد ، يعني : يعلم بعقوبتهم . ويقال : إن اللّه يعلم أن الآلهة لا شفاعة لهم ولا قدرة . وَهُوَ الْعَزِيزُ بالنقمة لمن عصاه الْحَكِيمُ حكم بالعقوبة على من عبد غيره ، ويقال : حكم أن لا يعبد غيره . ثمّ قال : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يعني : أمثال آلهتهم نبينها للناس . وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ يعني : لا يفهمها ولا يعلمها إلا الْعالِمُونَ يعني : الموحدون ، ويقال : يعني : العاقلين . قرأ أبو عمرو وعاصم إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ بالياء على لفظ المغايبة . وقرأ الباقون بالتاء على لفظ المخاطبة ، يعني : قل لهم يا محمد إن اللّه يعلم ما تدعون من دونه . ثم قال عز وجل : خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يعني : بالعدل ، ويقال : لبيان الحق ، ولم يخلقها باطلا . إِنَّ فِي ذلِكَ يعني : في خلق السماوات والأرض لَآيَةً يعني : لعبرات لِلْمُؤْمِنِينَ يعني : المصدقين . وإنما أضاف إلى المؤمنين ، لأنهم هم الذين ينتفعون بها .